محمد محمد أبو ليلة

78

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

وقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 2 ) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ ( 3 ) ( يوسف : 2 - 3 ) . فالرسول صلى اللّه عليه وسلم كان غافلا عن تاريخ الأمم ، والرسل ، والملوك ، وما جرى لهم ؛ بمعنى أنه كان يجهل كل ذلك ولم تكن له دراية به حتى عرّفه اللّه تعالى بذلك كله ، وجعله ممن يذكره أي القرآن فلا ينساه ، ويعيده فلا ينقص منه ولا يزيد فيه : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ( الأعلى : 6 - 7 ) ؛ ومن المفيد جدا أن ننبه على السر في اختيار اللّه لكلمة " غافل " في نفى المعرفة عن محمد ، فنقول إن لفظة " غافل " تقابلها كلمتي " ذاكر " ، " وناس " ؛ ومن حكمة اللّه تعالى ، ودقة القرآن أنه استعمل كلمة " غافل " دون " ناس " ، وذلك لأن الكلمة الأولى تفيد بوضوح عدم علم محمد بما كان في الكتب السابقة بالمرة ، وهو ما كان عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم بالفعل ؛ وأما الكلمة الثانية " ناس " ، فتفيد علما سابقا على النسيان ؛ وهذا الوصف لا يصدق على محمد صلى اللّه عليه وسلم بحال . ومن هذه الآيات قوله تعالى : فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ ( 45 ) ( ق : 45 ) ؛ والعبارة هنا بمعنى الغفلة والنسيان معا ؛ جاء الفعل " اذكر " مقترنا ب " الكتاب " الذي هو " القرآن " في خمسة مواضع من الكتاب العزيز ، في سورة مريم ( 16 ، 41 ، 51 ، 54 ، 56 ) ، كذلك ورد بصيغة الأمر للجماعة ، مصحوبا بلفظي " الكتاب " ، و " الحكمة " ، كما في سورة الأحزاب ، وقد مر بنا . وجاءت الآية في سياق الحديث عن خلقيات الحياة الزوجية ، وما ينبغي أن تتحلى به المرأة المسلمة من مؤهلات وفضائل . كذلك جاءت الآية في سياق الحديث عن تحريف كتب اللّه السابقة على القرآن : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ( المائدة : 13 ) . المشار إليهم هنا ، هم اليهود والنصارى ، حرفوا بعض كتب الأنبياء ، ونسوا بعضها ، فجاءت كتبهم مملوءة بالأغاليط ، والأوهام ، والتناقضات الكثيرة ؛ لكثرة التبديل الذي أصابها ، والتحريف بالزيادة والنقصان الذي اعتورها ، على تعاقب الأجيال والزمان ، وصاروا لذلك فرقا متناحرة ، وأحزابا متلاعنة ، وطوائف متناكرة لا تجتمع أبدا . في آيات كثيرة يدعو اللّه تعالى عباده إلى الذكر ، وذكر اللّه ، والخوف منه ، والرجاء فيه ؛ وذلك لأن اللّه تعالى يرفع مكانة الذكر والذاكرين والذاكرات ، إلى